FANDOM


Nile

نهر النيل أطول أنهار الكرة الأرضية , يبول فيه السودانيون في الخرطوم قبل ان يبول فيه المصريون , قال عنه المقريزي ، أن الأنهار الأربعة ، تخرج من أصل واحد من قبة في أرض الذهب التي من وراء البحر المظلم . وهي سيحون وجيجون والفرات والنيل ، وأن تلك الأرض من أرض الجنة ، وأن تلك القبة من زبرجد ، وأنها قبل أن تسلك إلى البحر المظلم ، أحلى من العسل وأطيب من الكافور". بينما يقول الممثلون في التلفاز "نحن نسكن على النيل" فيطلون من شرفات فاخرة على صفحة رمادية لانهائية الجمال والحدود , البسطاء يعرفون النيل منذ طفولتهم كهذا النهر الذي يبصرونه بسهولة إذا وقفوا على سطوح منازلهم , حشائش الهيش وبعض من حطام السفن ومعدية تعبر إلى البر الثاني و بضعة من خصلات الشعر المقصوص يلقون بها إليه لأن الشعر "حي" ولا يلقى في القمامة وإنما إلى النيل ليعود غزيرًا نضرًا في شعر صاحبته ، غير أن شعر المصريات لم يزدد إلا نحولا وشيبًا مع الزمن.

ربما العيب في سكان القاهرة ، لا علاقة لهم بالنيل ، هم يعرفون الأسفلت ، والنيل في القاهرة خط مخنوق مثل الهواء من حوله . تربينا على كتب للمطالعة تقول إن النيل إله عبده الفراعنة ، وأن الخليفة عمر بن الخطاب تحداه ندا لند ، وبالرغم من ذلك نمر به مرورًا عاديًا. عند الفراعنة كان الذي يلقى حتفه غريقًا في النيل يكفنوه بالأزهار، واليوم لم يعد المنتحرون حتى يضعونه كخيار لإنهاء حياتهم.

عرف النيل بمصر وعرفت به ، وترجع تسمية النيل بهذا الاسم نسبة إلى المصطلح اليوناني Neilos ، كما يطلق عليه في اليونانية أيضًا اسم Aigyptos ، وهي أحد أصول المصطلحات الأوروبية لاسم مصر (باللاتينية: Aegyptus) ، وحوله الفراعنة إلهًا واستمرت قدسيته حتى بعد الإسلام ، فحتى المثل الشائع أن من يشرب من نيل مصر لا بدّ وأن يعود إليها مرة أخرى ، سنجد صداه في كتابات أدباء المماليك ، حيث قيل إن بنهر النيل "أحجار براقة كالفضة تتلألأ ، تسمى ضحكة الباهت ، كل من نظرها ضحك والتصق بها حتى يموت ، ويسمى مغناطيس الناس".

لكن يبدو أن النيل قد فقد قدسيته كلها ، حتى وإن احتفظ ببعض من جماله في محافظات مصر البعيدة عن القاهرة . جميل لكنه غير مقدس ، ربما هزمه السد العالي ، كان النيل قبل تشييده إلهًا يخشى المصريون غضبه إذا شح أو أفاض عن المعقول ، ويرجون رضاءه ليفي بمنسوبه المحدد لري الأرض وإخصاب الزرع ، لقد جعل بناء السد , ذلك المشروع الطموح والهام لاقتصاد مصر وقت إنشائه , النيل آمنًا لا يضر ، حول الإله إلى آلة تنتج الكهرباء فيما بقى منسوبه ثابت ساكن ، لا رجاء في رضائه ولا خوف من غضبته .

ثم تصحوا مصر فجأة على قرار إثيوبيا ببناء سد ضخم لتوليد الكهرباء ، لكن هذا السد إذا بني سيضر بحصة مصر من الماء، وإذا تهدم ستغرق كل من مصر والسودان ، وكأن النيل يعود إلهًا من جديد . في مقبرة الملك سيتي الأول بجبانة طيبة ، دُونت قصة عن هلاك البشر ، أن الملك "رع" أبو الآلهة أغضبه من البشر جحودها نعمته ، وقرر إهلاكهم ، فطلب ابنته حتحور ، وكانت في بلاد النوبة ، وفي طريقها للعودة أبصرت النيل جافًا فحن قلبها إليه فبكت حتى فاض ، ثم صعدت السماء إلى أبيها ، وهناك غَيّر "رع" طبيعتها من البقرة الرؤوم رمز العطاء إلى لبؤة متعطشة للدماء حتى توافق على إهلاك البشر ، لكن بعض الآلهة أرادوا إنقاذ البشر فأوحوا إليهم بأن يطحنوا الشعير ويصنعوا منه جعة ويزودنها بمادة حمراء ليعطي المشروب شكل الدم ، وأن يجعلوا حتحور تشرب منه لتظن أنه دم البشر ، وحدث للبشر ذلك فسكرت حتحور وعادت إلى أبيها فعلم بالأمر ليعفوا عن الناس. وفي تلك القصة تبدو الدلالة واضحة عن خير النيل الذي يأتي من النوبة /السودان/ أعلى مصر ، وفي مهادنة المصريين له حتى لا يثور عليهم فيهلكهم ، غير أن الواقع الحالي يوحي بدلائل أخرى أكثر وضوحًا ، فالخير الآتي من جنوب مصر بات مهددًا، وربما أصبح نهر النيل اليوم مخيفًا أكثر من أي يوم مضى، ولكن ماذا سيفعل المصريون تجاهه؟ لا شيء حتى الآن، فقط يمرون به إذا مروا، مرورًا عاديًا.