أولاد حارتنا

من بيضيپيديا

اذهب إلى: تصفح, البحث
أولاد حارتنا
Awlad.jpg
المؤلف نجيب محفوظ
اللغة العربية
نوع الكتاب رواية
دار النشر مكتبة مصر
تأريخ النشر 1959
عدد الصفحات 553
الدولة مصر

أولاد حارتنا رواية كانت ممنوعة من النشر والتداول في مصر , تتحدث عن الأديان برمزية بسيطة للغاية لاتتعمد التمويه أو التعمية ، فالأسماء شديدة الوضوح ، أدهم وأميمة وأدريس ورضوان كلها تخريجات من الأسماء الأصلية لآدم وحواء وأبليس , يغمس نجيب محفوظ قصص الأنبياء في عالم الفتوات والبلطجية والناس الطيبين من بيئة مصر الشعبية . وماذا بعد ؟! هل أراد نجيب محفوظ أن ينزل بالتراث الديني لمستوى الحكايات الشعبية وحسب ؟ هل قوة نبي الله موسى التي صورها في حكاية جبل ، والرأفة والمحبة التي تميز بها السيد المسيح والتي جسدتها حكاية رفاعة والتوازن بين الاثنين الذي تستشعره وأنت تقرأ حكاية قاسم وحي الجرابيع (العرب) وماأحدثه الجرابيع من بعده هو كل ماأراد نجيب محفوظ قوله ؟!

لو اقتصر الأمر على هذا لمااستحقت الرواية شهرتها لأنها لم تكن لتقول شيئاً. مربط الفرس إذن ليس هنا !! إن ماأراد نجيب محفوظ أن يقوله موجود في الجزء الأخير من الرواية ، في حكاية عرفة ، أو مابعد قاسم . إن عرفة رجل لانظير له في رحلة الإنسان الروحية بين الأديان ، فهو لاينتمي لجبل ولا لرفاعة ولا لقاسم أي لم يكن يهودياً ولا مسيحيا ولا مسلماً ، وإذا كان أبناء الحارة جميعاً رغم رقة أحوالهم يعتزون بانتمائهم للجبلاوي سيد الخلاء ورب القصر الكبير رغم صراعهم الذي لاينتهي مع اتفاقهم جميعاً على أحقيتهم في ريع الوقف إلا أن عرفة جاء من المجهول وهو شخص غير معروف النسب بعكس بقية أبناء الحارة ، لديه معرفة بالكيمياء والسحر ، إن عرفة يرمز للعلم والمعرفة والتحرر من الانتماء لفصيل بعينه ، إنه رمز المعرفة التي تقود العالم في مرحلة مابعد الأديان وهو ماأراد نجيب محفوظ أن يشير إليه وربما بسبب هذه الفكرة التي طرحها عن انتهاء دور الأديان لصالح المعارف والعلوم كمايدل اسم بطل الحكاية هو الذي أثار حفيظة المؤسسات الدينية عليه لحد تكفيره .. لنقرأ كيف قدم يحاول نجيب محفوظ تجسيد فلسفة نيتشة عن موت الإله وهي الفكرة التي بسببها تم التعامل مع الرواية على أنها تنشر الفكر الإلحادي الذي لايعترف بالأديان والمقدسات . وذات يوم رأت الحارة فتى غريبا قادما من ناحية الخلاء، وتطلعت نحوه الأبصار فتبسم لهم مترددا وسأل عن بدروم خال للإيجار.

لقد كان عرفة الذي غاب عن الحارة طويلا ثم عاد إليها مع أخيه ومساعده "حنش" وأصبح محط الأنظار لأنه ساحرا. ويذكر أنه يملك الأعاجيب في حجرته، مع أنه ليس فتوة ، ولا من رجال الجبلاوي ، ولكنه يحوز قوة لم يحز عشرها جبل ورفاعة وقاسم مجتمعين . ودار حوار ذات يوم بين عرفة وزوجته فقالت له عن جبل ورفاعة وقاسم : أولئك كلفوا بالعمل من قبل جدنا الواقف، فقال عرفة بضجر جدنا الواقف ؟ كل مغلوب على أمره يصيح ولكن هل سمعت عن أحفاد مثلنا لا يرون جدهم ، وهم يعيشون حول بيته المغلق ؟ وهل سمعت عن واقف يعبث العابثون بوقفه على هذا النحو وهو لا يحرك ساكنا ؟ فقالت : إنه الكبر ، فقال لم أسمع عن معمر عاش طول هذا العمر فقالت : ربك قادر على كل شيء فغمغم قائلا : كذلك السحر قادر على كل شيء.

كان عرفة أحد القلائل الذين ظهرت عليهم علامات الضيق من الجبلاوي و عدم الإعتراف به . وكان عرفة يحلم بالتسلل إلى البيت الكبير ، فسار ذات ليلة تجاهه وشرع في حفر الأرض تحت السور و راح عرفة يزحف خلال الممر ، حتى صار داخل البيت الكبير، وأخذ يزحف في حذر شديد ظل يتسلل حتى وصل مخدع الجبلاوي وأشعل شمعة فرأى عجوزا يجاهد للخروج من الغيبوبة الفاصلة بين النوم واليقظة ، فانقض عليه مطبقا يمناه على رقبته بكل قوته وساد الظلام بعدما انطفأت الشمعة وتحرك العجوز حركة همد بعدها، وتراجع عرفة خائر القوى، ثم تسلل خارجا وقد تملكه فزع شديد. وجلجل صوت في السكون ،وإذا بأحد أهل الحارة يقول :

مات الجبلاوي

هكذا أسقط نجيب محفوظ الإله بل والأديان جميعاً. لكن الغرب من جانب آخر لم يسقط في دائرة الإلحاد تماماً بل اتخذ العلم والمعرفة بديلاً لأديان لم تعد تقدم للبشرية أي خير ملموس غير طقوس وتهاويم لاتفيد على حين يظل غياب العدل وسطوة القوة وتأجج الصراعات بين المنتمين للجماعة البشرية هو أبرز منتج ديني لكل الأديان ، فالملحدون والعلمانيون لم يسقطوا الأديان تماماً وإنما أخذوا أفضل مافيها واعتبروا العلم والمعرفة هما التجسيد الحقيقي للإله المهيمن على العالم ..

الفكرة تظل مثيرة للخيال وللجدل فالغرب العلماني قد احتفظ بالفعل بقيم الأديان العليا جميعاً وأخذ بأحسن مافيها دون أن يلزم نفسه بطقوس معينة ، والمطلع على أحوال الغرب هذه الأيام سيدهشه عدم تمسكه بطقوس المسيحية أو اليهودية أو الإسلام من حيث هي طقوس دينية ، ولكنه سيلحظ دون شك تمسكه بقيم الحق والخير والجمال وأخلاقيات النزاهة والالتزام وشرف الكلمة واحترام المعاهدات إلى جانب السعي لامتلاك أسباب القوة التي تهيمن على العالم وتفرض شروط مالكها الأمر الذي جعل شيوخنا يتشدقون في كل حين بمقولة ذهبت مثلاً " وجدنا إسلاماً بلامسلمين " بينما حقيقة الأمر أن مايرونه ويشهدون آثاره في كل منتجات الغرب هو " دين عرفة " هو نتاج العلم والمعرفة وهو دين ليس سماوياً بطبيعة الحال ولاينتمي للمدرسة القديمة في الحياة الروحية للأقدمين وإنما هو دين مابعد الإسلام إن صح التعبير وهو ذلك الدين غير السماوي الذي تقبع تحت مظلته كل القيم الدينية والإنسانية منذ عرفت البشرية الأديان .

[عدل] مصدر

  • د. محمد فؤاد منصور
أدوات شخصية